الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 43
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
حيث لا يقع المزيد منافيا لما رواه غيره من الثّقاة ولو كانت المنافاة في العموم والخصوص بان يكون المروى بغير زيادة عاما بدونها فيصير بها خاصّا أو بالعكس فيكون المزيد ح كالشّاذ وقد تقدّم حكمه مثاله حديث وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا فهذه الزّيادة تفرّد بها بعض الرّواة ورواية الأكثر جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فما رواه الجماعة عام لتناوله لأصناف الأرض من الحجر والرّمل والتّراب وما رواه المنفرد بالزّيادة مخصوص بالتّراب وذلك نوع من المخالفة يختلف به الحكم وامّا الثّانى وهو المزيد في الأسناد كما إذا اسنده وارسلوه أو وصله وقطعوه أو رفعه إلى المعصوم ووقفوه على من دونه ونحو ذلك وهو مقبول كمزيد المتن غير المنافى لعدم المنافاة إذ يجوز اطلاع المسند والموصل والرّافع على ما لم يطّلع عليه غيره أو تحريره لما لم يحرّره وبالجملة فهو كالزّيادة غير المنافية فيقبل ذكر ذلك في البداية وغيرها ثم نقل قولا بانّ الإرسال نوع قدح في الحديث بناء على ردّ المرسل فيرجّح على الموصول كما يقدّم الجرح على التّعديل عند تعارضهما ثم ردّه بانّ في هذا الدّليل منع الملازمة بين تقديم الجرح على التّعديل وتقديم الإرسال على الوصل مع وجود الفارق بينهما فانّ الجرح انّما قدّم على التّعديل بسبب زيادة العلم من الجارح على المعدل لانّه بنى على الظّاهر واطّلع الجارح على ما لم يطّلع عليه المعدل وهي اى زيادة العلم الّتى أوجبت تقديم الجارح هنا اى في صورة تعارض الإرسال والوصل مع من وصل لا مع من ارسل لانّ من وصل اطّلع على انّ الرّاوى للحديث فلان عن فلان الخ ومن ارسل لم يطّلع على ذلك كلّه فترك بعض السّند لجهله به وذلك يقتضى ترجيح من وصل على من ارسل كما يقدّم الجارح على المعدل لقلب الدّليل ومنها المختلف وضدّه الموافق والوصف بالأختلاف والموافقة انّما هو بالنّظر إلى صنف الحديث دون الشّخص ضرورة انّ الحديث الواحد نفسه ليس بمختلف ولا متّفق وانّما الاختلاف والأتّفاق يتصوّر بين اثنين والمراد هنا اختلاف المتنين وتوافقهما وذلك غير المؤتلف والمختلف سند الّذى يأتي التّعرض له انشاء اللّه تعالى وقد عرّف المختلف في البداية وغيرها بانّه ان يوجد حديثان متضادّان في المعنى ظاهرا سوءا تضادّا واقعا أيضا كان لا يمكن التّوفيق بينهما بوجه أو ظاهرا فقط كان يمكن الجمع بينهما فالمختلفان في اصطلاح الدّراية هما المتعارضان في اصطلاح الأصوليّين والمتوافقان خلافه وقد صرّح أهل الدّراية بان حكم الحديث المختلف الجمع بينهما ان أمكن ولو بوجه بعيد يوجب تخصيص العام منهما أو يقيّد مطلقه أو حمله على خلاف ظاهره وان لم يمكن الجمع فان علمنا أن أحدهما ناسخ قدّمناه والّا رجّح أحدهما على الآخر بمرجّحه المقرّر في الأصول من صفة الرّاوى والرّواية والكثرة ومخالفة العامّة وغيرها كذا قالوا وهو موجّه الّا في الجمع بالحمل على خلاف الظّاهر فأنّه لا يرتكب الّا مع قرينة عليه في الأخبار لما قرّرناه في الأصول من عدم تماميّة كليّة قاعدة تقدّم الجمع على الطّرح وانّها انّما تسلم في الجمع بحمل العام على الخاصّ أو المطلق على المقيّد أو الجمع الّذى يساعد عليه فهم العرف مثل الجمع بحمل الظّاهر على النّص والظّاهر على الأظهر أو الجمع الّذى عليه شاهد مفصّل من الأخبار وان شئت توضيح ذلك فراجع ما حرّرناه في الأصول ثم انّ الجمع بين المتعارضين من اهمّ فنون علم الحديث واصعبها امّا الأهميّة فلانّه يضطّر اليه جميع طوايف العلماء سيّما الفقهاء ولا يملك القيام به الّا المحقّقون من أهل البصائر الجامعون بين الحديث والفقه والأصول الغوّاصون على المعاني والبيان وامّا الأصعبيّة فلانّه عمدة فنون الاجتهاد الّذى هو أصعب من الجهاد بالسّيف وقد صنّف العلماء في الجمع بين الأخبار كتبا كثيرة وقد قيل انّ اوّل من صنّف فيه الشّافعى ثمّ ابن قتيبة ومن أصحابنا رض الشّيخ أبو جعفر الطّوسى التّهذيب والأستبصار وقد جمعوا بين الأخبار على حسب ما فهموه وقد قال في البداية انّه قلّما يتّفق فهمان على جمع واحد ومن أراد الوقوف على جليّة الحال فليطالع المسائل الفقهيّة الخلافية الّتى ورد فيها اخبار مختلفة يطّلع على ما ذكرناه انتهى ثمّ انّ أهل الدّراية قد جعلوا من أمثلة المختلف من أحاديث الأحكام حديث إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا وحديث خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شئ الّا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه فانّ الأوّل ظاهر في طهارة القلّتين تغيّر أم لا والثّانى ظاهر في طهارة غير المتغيّر سواء كان قلّتين أو اقلّ من أحاديث غير الأحكام حديث لا يورد ممرض على مصحّ وحديث فرّ من المجذوم فرارك من الأسد مع حديث لا عدوى وبيان ذلك ان يورد بكسر الرّاء مضارع أورد أو عرض عليه الماء ومفعوله محذوف وممرض باسكان الميم الثّانية وكسر الرّاء صاحب الإبل المراض من أمرض الرّجل إذا وقع في ماله المرض والمصّح بكسر الصّاد صاحب الإبل الصّحاح والمعنى انّه لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على الإبل الصّحاح اى فوقها من جانب الماء الجاري حيث يجرى سؤر المراض فتشربه الصّحاح فتتمرّض ووجه مخالفة الخبرين الأوّلين للثالث دلالتهما على اثبات سراية المرض من المريض إلى غيره ونفى الثّالث السّراية وقد جمعوا بين الخبرين بوجوه أحدها ما عن ابن الصّلاح من العامّة من انّ هذه الأمراض لا تعدىّ بطبعها لكن اللّه تعالى جعل مخالطة المريض بها للصّحيح سببا لأعدائه مرضه وقد يتخلّف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب ثانيها ما عن شيخ الإسلام من انّ نفى العدوي باق على عمومه والأمر بالفراد انّما هو من باب سدّ الذّرايع لئلّا يتفق للّذى يخالطه شئ من ذلك بتقدير اللّه تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفيّة فيظنّ انّ ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحّة العدوي فيقع في الحرج فامر بتجنّبه حسبما للمادة ثالثها ما عن القاضي الباقلاني من انّ اثبات التّعدى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفى العدوي فيكون معنى قوله عليه السّلام لا عدوى اى الّا من الجذام ونحوه رابعها انّ الأمر بالفرار انّما هو لرعاية حال المجذوم لأنّه إذا رأى الصّحيح عظمت مصيبته وازدادت حسرته إلى غير ذلك من وجوه الجمع ومنها النّاسخ والمنسوخ فانّ من الأحاديث ما ينسخ بعضها بعضها كالقران المجيد لكن يختصّ ذلك بالأخبار النّبوية إذ لا نسخ بعده صلّى اللّه عليه وآله كما برهن عليه في محلّه نعم لا يختصّ ذلك بما كان من طريق العامّة بل يعمّه وما كان من طريقنا ولو بتوسيط أحد ائمتّنا عليهم السّلام وقد عرّفوا الحديث النّاسخ بانّه ما دلّ على رفع حكم شرعي سابق فالحديث المدلول عليه بكلمة ما بمنزلة الجنس يشمل النّاسخ وغيره ومع ذلك خرج به ناسخ القران وبالرّفع خرج الحديث الدّال على حكم مؤكّد للحكم السّابق وبإضافة الرّفع إلى الحكم خرج رفع الذّوات والصّفات الحقيقيّة والحكم شامل للوجودي كالوجوب والنّدب والعدمي كالتحريم والكراهة وبتقييد الحكم بالشّرعى خرج الشّرع المبتدء بالحديث الرّافع لحكم عقلي من البراءة الأصليّة وخرج بقيد السّابق الاستثناء والصّفة والشّرط والغاية الواقعة في الحديث فانّها ترفع حكما شرعيّا لكن ليس سابقا وربّما زيد في التّعريف قيود آخر لا حاجة إليها ومن أراد العثور على ذلك فليراجع كتب الأصول وبالمقايسة يعلم المراد بالمنسوخ قال في البداية وهذا فنّ صعب مهمّ حتّى ادخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه لخفاء معناه وطريق معرفته النّص من النّبىّ ( ص ) مثل كنت نهيتكم عن زيارة القبور الافزوروها أو نقل الصّحابى مثل كان آخر الأمرين من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله انّه ترك الوضوء ممّا مسّته النّار أو التّاريخ فان المتأخّر منهما يكون ناسخا للمتقدّم أو الإجماع كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرّابعة نسخه الإجماع على خلافه حيث لا يتخلّل الحدّ والإجماع ولا ينسخ بنفسه وانّما يدل على النّسخ وقال فخر المحقّقين ره فيما حكى عنه ورود السّنة على معنيين أحدهما على ابتداء الشّريعة وثانيهما الأخبار عن ثبوت حكمها فيما تقدّم واخبار أئمتنا ( ع ) من القسم الثّانى فهي سليمة من النّسخ وساير وجوه التّأويلات لأنّها في الحقيقة اخبار عن حكمه ( ع ) قال وبهذا يندفع